تصلني رسائل كثيرة من القراء بعضها يعلق في ذهني إلى الأبـد .. مازلت أذكر رسالة من مواطن عربي (لاجئ في السعودية) قال في آخر سطر فيها: "ويشهد الله يا أستاذ فهد أنني لا أحسدك على شيء مثل امتلاكك لوطن وهوية وجواز سفر...".

هزني التعبير وأرعبني مجرد التفكير في الحرمان من أبسط هذه الحقوق البديهية.. لا أعتقد أننا نفكر كثيراً بنعمة الوطن؟.. بنعمة الاستقرار والانتماء للأرض وعدم العيش لاجئاً أو مطارداً في بلد غريبة؟ هل فكرت بحجم المعاناة التي سيواجهها أطفالك بدون هوية أو انتماء لوطن وأرض؟ هل فكرت كيف ستعيش وتحيا وتبني مستقبلك وأنت مهدد بالرحيل في أي وقت؟

... وحين نتحدث عن أهمية الوطن لا نتملق أحـداً ولا نتزلف للحكومة أو أحد من المسؤولين.. فالأشخاص يتغيرون ولكن الوطن يبقى ثابتاً وملكاً للجميع.. الوطن هو المساحة التي وهبها الله لنا والتراب الذي ولدنا فوقه وسندفن تحته.. هو الحيز الآمن الذي نربي فيه أبناءنا ويكبر فيه أحفادنا ونجمع منه رزقنا ونعيش فيه بسلام.. هو المكان الذي يمنحنا وجوداً، وجنسية، وانتماء، ونقرر داخله هويتنا الخاصة.. أي انتماءات تتجاوز "الوطن" تتسبب في تفككنا وتشتتنا وضياع هويتنا الجماعية.. حين نرفعـه فوق الجميع يرتفع الجميع فوق أي نعرات عصبية وطائفية وقبلية قد تهدد وجودنا ...

لا أحتاج للتأكيد على أن الانتماء للوطن لا يتعارض مع الانتماء لعالمنا العربي وأمتنا الإسلامية.. ولكن سلم الانتماءات (والواجبات) يبدأ من الأقرب للأبعد، ومن الخاص للعام، ومن الأهـم قبل المُهـم.. وطنك (فرض عين) في حين أن عالمك العربي والإسلامي (فرض كفاية).. حين يضيع وطنك الخاص لا ينفعك وطنك العام، وحين تشارك في ضياع وطنك الصغير تشارك بالتبعية في ضياع وطنك الكبير..

وأعتقد أننا (نحن السعوديين) نجحنا في تجاوز كافة الاضطرابات التي مرت بعالمنا العربي (منذ اتفاقية سايس بيكو وحتى محنة الربيع العربي) بفضل العلاقة الأبوية الفريدة بين الدولة والشعب.. فـرغم امتلاكنا ــ كبقية الشعوب ــ انتماءات وتيارات وأفكاراً متقاطعة؛ ظل خيارنا الدائم التماسك والروية وعدم التصرف كالـتي نقضت غزلها من بعد قوة...

من بعث لي تلك الرسالة لاجئ سوري لم يكن مخطئاً في غبطته لي .. فـأنا وأنت محظوظان فعلاً كوننا ولدنا في دولة مستقـرة وبــلـد آمـن، ونحظى برعاية مجانية لا يحصل عليها مليار إنسان حول العالم .. أنا وأنت محظوظان لأننا ــ مهما كانت مداخيلنا ــ ما زلنا نعـيش أفضل من 900 مليون فقـير حول العالم يعيشون بأقل من ثلاثين دولاراً في الشهر.. أنا وأنت محظوظان لأننا نغـادر بيوتنا دون خوف، ونترك عائلاتنا دون قلق، ونعيش حياتنا دون خشية أحد.. محظوظان لأنه ينطبق علينا ــ رغم كل المحن المحيطة بنا ــ قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (من أصبح آمناً في سربه معافاً في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها).

... بدون شك؛

الوطن نعـمة كبيرة لا يعرف قيمتها إلا من فـقـدها .. وكل يوم وطني وأنتـم بخـير وأمان ..